مجمع البحوث الاسلامية

324

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

عبد الكريم الخطيب : ما معنى هذا الوصف الّذي وصف به الإنسان ؟ وهل يتّفق وصفه بالظّلم والجهل ، مع هذا الفهم الّذي فهمنا الآية الكريمة عليه ، وأنّها تحدّث عن الإنسان هذا الحديث الّذي يقيمه على قمّة الوجود كلّه ؟ والجواب على هذا - واللّه أعلم - أنّ هذا الوصف ليس واقعا على الإنسان في جنسه كلّه ، وإنّما هو واقع على من خان الأمانة من بني الإنسان ، ونزل عن هذا المقام الرّفيع الّذي له في الكائنات ، وبهذا استحقّ أن يوصف بأنّه « ظلوم » أي عظيم الظّلم ، لأنّه ظلم نفسه ، فلم يقدرها قدرها ، ولم يحفظ عليها مكانتها ، وإنّه ليس أظلم ممّن يظلم نفسه ، ويبخسها حقّها ، وهو « جهول » لأنّه لم يعرف قدر نفسه ، ولم يحتفظ بهذا السّلطان الّذي له في هذا العالم ، ومن جهل نفسه فهو أجهل الجاهلين . فوصف الإنسان بأنّه ظلوم جهول ، هو في الواقع إشارة إلى تلك الخسارة العظيمة ، الّتي خسرها الإنسان بتضييع الأمانة الّتي كانت بين يديه ، والّتي حين تخلّى عنها فقد كلّ شيء ، ونزل من القمّة إلى القاع . وهذا أسلوب من أساليب البلاغة في إظهار عظمة الشّيء ، بذمّ من فرط فيه وقصّر في حفظه ، وحراسته ، كما يقال عن إنسان كانت بين يديه فرصة عظيمة مسعدة ، فأضاعها بإهماله وتواكله ، فلا يجد إلّا من يلوم ويقرّع بمثل هذه الكلمات : غبّي ! ! حيوان ! جاهل ! . . . وعلى هذا لا يكون قوله تعالى : إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا لا يكون تعقيبا على قوله تعالى : وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ وإنّما هو تعقيب على محذوف ، تقديره : وحملها الإنسان فلم يحسن حملها ، ولم يؤدّها على وجهها ، وإنّه بهذا التّقصير كان ظلوما جهولا . ( 11 : 767 ) المصطفويّ : أي ظالما لنفسه وجاهلا بمقامه ، وبكونه مستعدّا لحمل الأمانة والطّمأنينة . وقلنا : إنّ الجهل يلازم الاضطراب وهو خلاف الطّمأنينة ، وهذا أشدّ ظلم لنفسه ؛ حيث صرف نفسه عن مقامه ، وحرم عن الوصول إلى الطّمأنينة والأمن . ( 2 : 140 ) راجع : « ع ر ض » ( عرضنا الأمانة ) . بجهالة 1 - إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ . . . النّساء : 17 ابن عبّاس : بتعمّد وإن كان جاهلا لعقوبته . ( 67 ) من عمل السّوء فهو جاهل ، من جهالته عمل السّوء . ( الطّبريّ 4 : 299 ) نحوه مجاهد ، وعطاء ، وقتادة ، وابن زيد . ( الطّوسيّ 3 : 145 ) أبو العالية : إنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يقولون : كلّ ذنب أصابه عبد فهو بجهالة . ( الطّبريّ 4 : 298 ) نحوه قتادة ( الطّبريّ 4 : 298 ) ، والسّدّيّ ( 2 : 26 ) . مجاهد : كلّ من عصى ربّه فهو جاهل ، حتّى ينزع عن معصيته . ( الطّبريّ 4 : 298 ) نحوه عطاء وابن جريج وابن زيد ( الطّبريّ 4 : 299 ) ، والسّدّيّ ( 199 ) ،